2013-01-25

الســر - قصة قصيرة


ملحوظة: كتبها كل من أحمد الفقى، أحمد مُسلم وياسر مرعى. "الأسماء مُرتبه وفقاً للترتيب الهجائى"



الســــــر



"بحاجة للقليلِ من الراحة.. لا حرجَ من الإعترافِ بأنّ حياتي انقلبتْ علي أعقابها سوءاً, وأن ثمةَ شئ أحدثَ ضجة في ملكوتي الخاص, الكثيرُ من المفاجآت أربكت حساباتي وأجْبرتني - مُرغماً - علي الإتيانِ بنمطٍ جديدٍ لحياتي غيرَ الذي روضتُ نفسي عليه".

لمْ أُبدِ أي إعتراض علي ما أفضي به صديقي عماد من كلماتٍ نطقَ بها بصوتٍ رخيم , كلمات تحملُ الحزنَ والمعاناة في باطنها.. أدركتُ حينها أن هذا هو السبب الذي طلب أن يقابلني من أجله, فيبدو عليه أنه يعاني من بعض المشاكل وينتظرُ مني أن أنهالَ عليه بالنصائح. ومن الجدير بالذكر وحتماً من الجيدِ, أني جئتُ في موعدي علي غير العادة - وهو أيضاً جاء علي إثري. ولا أُخفي.. فعلي الرغم من عدم إدراكي - قبل مجيئي - بسبب المقابلة, إلا أن أساريري قد انفرجتْ عندما أصبتُ في اختياري للمكان والزمان الذي حددته له.
علي ضفافِ النيل سرْنا معاً هائمين.. تائهين.. أشعةُ الشمسِ الناعمة تُغازل قريرة عيوننا, الهواءُ العَليلُ يداعب أجسادَنا ويلاطفها, ولا عَجَب في ذلك, فنحن في السادسة صباحِاً إذ الناس نيام والشوارع خالية. لا يشاركنا في تلك اللحظة غير ذلك الصياد ساكناً بسنارته علي تلك الصخرة القريبة من النيل, وذلك العجوز صاحب المركب الذي وقفنا ننتظره, ليأخذنا معه في جولة أستطيع خلالها أن أستمع إلي عماد.

"أريدُك أن تعرف أنه ليس من الضروري أن تفهمني, فأنت لن تفهمني.. لن يفهمني أحد, حتى أنا لا أفهمني ولا أستطيع أنْ أميزَ ما أريده.. لغزٌ غريب.. أنت لا طاقةَ بك لتتحملَ عِبئي وعبءَ حماقتي التي لا تصيبني لعنتَها الا بعد فواتِ الأوان! أنت صديقُ عُمري.. فقط اتركْنِي أتحدث وسأصيرُ علي ما يُرام"

"هيا اركب!".. قاطعتُ حديثَه عند وصولِ العجوز بمركبه سبقتُ عمادَ إلي المركب, وأنا عقلي كاد يطير من فرطِ التفكيرِ في ما قاله لي. الحزنُ خيّمَ علي وجنته, حدثْتُ نفسي أنْ "هيا يا فتي لا تعبأ بحُزنك.. فأنت كما أنت.. مازلت الشخص الذي أعرفه.. شائبة ضئيلة علينا استئصالها ولن تترك أثراً سيئاً بمشيئة الله" هنا شرع العجوز في الابحار.. وبدأت الرحلة.. مع عماد!

لم تكُن كلماتي تلك سوى محاولة يائسة لاجتثاثِ ما حاكَ في صدْره, دفعني إليها تلهُفي لمعرفة ماهية لُغزه لا رغبةً في حله. كانت الشمسُ قد بلغت شروقَها وأهدتنا أشعتها حين راح يسرد.. "تتجلى مُصيبَتي يا صديقي في كوني شخْصين". قاطعَ حديثه ردُّ فعلِ عجوزِ المركب وهو يحدقُ بعينيّ التعجبِ كما كان حالي وقتها، ولكنه لم يُعر اهتماماً فأتْبع..
"كما تعرفني يا صديقي فأنا مُولعٌ بقراءة لغةِ أجسَاد هؤلاء, وتحليلِ أفعال هؤلاء حتى إني لأتبيّن فعلَ أحدكم قبل وقوعه دون أخطاءٍ تُذكر، كل هذا طبيعي إلى أن قابلتُها - في إشارةٍ إلى مَها - فقد حاولتُ مراراً تبين أفعالها إلا أنّي أفشل دائماُ".

لا أُخفيكم سِراً.. في بادئ الأمر حينَ ذكرَ عنْ نفْسِه قراءة الآخرين فإنما كان يصفُني ولكني ما لبثتُ أن أصابَني الخُمول لأني لم أجد بعد ما يستدعي إحداث ضجة في ملكوته, فبادرتُه بالسؤال وصولاً إلى الخاتمة. "وهل ذكرت لك كونك شخصين؟".. فابتسم بثغره ابتسامةً أغلقت عينيه كان مِلْؤها حُزنٌ عميق، ولأنه ناجعٌ في قراءةِ الآخرين فقد تبيّن مللي وحاجتي إلى النهاية لكنه لم يعره أي اهتمام.

"هي لم تحدثني بذلك بل نبهتني إلى كوني أُغير أحكامي وتصرفاتي في نفس الأحداث، جعَلتني أدرك أنّ ولَعي بقراءةِ الآخرين أفقدني الإنتماءَ في تصرفاتي، فأصْبحَ الحُزن لا يَرى عيني والفرحُ لا يلمسُ شفَتاي، ربما يموت هذا فأمتنع البكاء ثم أُتابع حياتي اليائسة لحظةَ مُغادرة عَزائِه وينجح هذا فأتكلّف الإبتسام لتهنئته وينجح نفس الشخص بعدها فأهنئه بحرارة، أكيلُ الأمورَ بمثقالين فأحكم على أناس من مظهرهم وأحكم على هؤلاءِ من ملْبسِهم بينما أنتظرُ لأحكم على هذا من تعامله، أنا أحمقٌ يا صديقي يحاول قراءة أفعالهم لا أكثر، ربما أكون مفتقداً للإنتماء.. ربما أكون مفتقداً للشعور.. أو ربما مها مخطئة".

حين توقف عماد عن الكلام وجدني وقد تحولت بنظره عني، ورمى بصره ناحية العجوز فوجده وقد سكن المركب تحتنا وتوقف عن عمله تلهفاً لسماع حديثنا.. صديقي عماد انتظر رداً وجواباً شافياً لما يكنه في صدره من أسى.. للأسف يا صديقي ربما لا أحمل لك جواباً حتى في جوربي فبعد سماعي لحديثه أدركت أن الله قد أرسلني اليوم لسماع مصيبتي لا مصيبته فقد أدركت أني أقبع في تلك الدائرة التي يرقد هو فيها.. حاولت إخفاء تكدري وبحثت طويلا في أزقة عقلي عن رد قد يقلل جذوته.

"هل تؤمنون بالله؟".. هكذا فأجأنا العجوز بسؤاله. فبادر كلانا بسرعة - على الرغم من دهشتنا لتدخل العجوز فى الحديث - بالجواب بنعم. أستطرد بعدها العجوز وهو يستعيد التجديف "الله موجود جاحد هو من يُنكر وجود الله أيس كذلك؟ طوال حياتى وانا أقابل هؤلاء الجاحدون الذين يتبنون فكرة أن الكون خُلق نتيجة مصادفة. التأمل فى الكون يُفضى إلى حقيقة أن كل شىء مُرتب ومنظم بصورة دقيقة تجعل من الصعب على العقل والروح الإيمان بأن كل هذا نشأ نتيجة المصادفة أليس كذلك؟ تكمن المشكلة ان العلم أتاح لهؤلاء الجاحدين دوماً المخرج العلمى الممزوج بالفلسفة الذى يُفسر نشأة الكون فى ضوء علمى بعيداً عن وجود إله عظيم أحدث كل ذلك وهنا تأتى وتتجلى العلاقات الانسانية ومدى دقتها والهدف من وجود كل شخص فى حياتنا إلى حقيقة ان الله موجود! الموقف الآن ان صديقً لجأ إلى صديقه المُقرب ليشكو إليه همه وسره فى تفانيه من اجل الاخرين وخوفه من عدم تملكه لهوية وانتماء واضحين والأهم الشعور. وصديق أخر يستمع فى إتزان ليجد حلاً لصديقه فيكتشف انه نفسه لم يجد حلاً لتلك المشكلة الذى يعانى منها أليس كذلك؟!"

صمت كلانا ونظر بعضنا إلى بعض فى دهشة ومن ثم نظرنا إلى العجوز مرة اخرى، فأستطرد مكملاً حديثه والإبتسامة تملىء فِيه ..
"لنقل أن هُناك ثلاثةَ أشخاصٍ على هذا المركب يعانون من نفس المشكلة!، أنتم تخشون مما أنتم فيه، كأن يكتشف المرء قوته الخفية فيظن انها مرض مميت حتى يتعلم كيف يروضها ويُفيد بها الأخرين وحينها يُدرك أنه بطلاً.. من منا لا يرغبُ فى أن يُصبح بطلاً؟ ولكن تخشون فى لعب دور البطولة أن تفقدوا انفسكم لأنها أصبحت ملكَ الآخرين أليس كذلك؟ لا بأس ستفْقدون أنفُسكم!، ولكنكم ستُوجِدون لأنفسكم الوقتَ الذى تتأملون فيه وحدَكم وستصْنعون لأنفسكم أوقاتَكم الخاصة. هل فكرتم يوماً ما الهدف من وجودكم على تلك الأرض؟ هل جربتم يوماً أن تبحثوا عن السر الذى من أجله خُلقتم فى كل تلك الوجوه التى تحللون؟ تلك الوجوه التى تستطيعون أن تستشفون ماذا يخبئون فى روحهم؟ ولا يعاجلنى أحدكم بكلام الإسلامين وهم يُخبرونكم بإيمانهم المزيف أننا خُلقنا من أجل عبادة الله فقط، أصلحْ عبادتَك مع الله وستجدُ أنّ كل شىء على ما يُرام. نعمْ خُلقنا منْ أجل عبادةِ الله أولاً ولكن هناك سبب أخر. ألم تفكروا فى ذلك قط؟ ألا تشعرون بالفخر وأنتم تُخففون عن هذا وذاك، وأنتم تستطيعون وفى أحلكِ مواقفِ الآخرين أنْ ترسِموا البسمةَ على شفاهِهم؟ ألا تشعرون بالفخر الحقيقى وأنتم تكتسبون ثقةَالأخرين فى يُسرٍ وسهولةٍ وسرعةٍ؟ ألا تشعرون بالفخر الحقيقى وأنتم تسْتنبطُون أفعالَ الآخرين وتٌحللون وتنصحون الآخرين بتجنُبِ هذا وذاك بسبب كذا وكذا؟ ألا تشعرون بالفخر الحقيقى والمغزى من وجودكم على هذه الأرض. لقد خُلقتم لترسموا البسمةَ على الشِّفاه. لتَمنحوا الأملَ للآخرين.. تَدبْرُوا فى علاقتكم الإنسانية وانظروا إلى الماضى وتأملوا كيف كان وجودُكم مؤثراً فى حياة الأخرين. تتسألون عن افتقادكم لإحساسكم؟! أنتم حمقى يا أولادى فالعُمر لا يُحسب بعددِ السنوات التى تُعاش بلْ بعدد المشاعرِ التى نحس.. وأنتم فى كل يوم وكل ليلة تتلقون العديدَ والعديدَ من المشاعر، سأخبركم سراً! أنا لست صاحب ذلك المركب، لستُ صياداً من الأساس.. لم أفهم ما الذى دفعنى منذ خمس سنوات إلى أن أُمارس تلكَ العادة صباحاً.. ربما هى تلك الرغبة فى أنْ أمتلكَ وقتى الخاص لنفسى لأُخططَ لحياتى ولَأتأمل ولِأنتمى إلى نفسى ولكن اليوم أدركتُ السرَ وراء تلك العادة، اليوم إزداد يقينى بأن الله موجود، فكل شىء محسوب وبدقة بالغة فتأملوا فى علاقتكم لعلكم تجدون الراحة النفسية التى تنشدونها".


- تمت -
24 يناير 2013

هناك تعليق واحد:

  1. حسيت براحة نفسية بعد ما خلصتها .. كأني كنت بدور على إجابة ما ولقيتها، مش عارفة إيه هي، بس حاسة أني لقيتها.
    جميلة جداً.

    ردحذف