2013-07-29

مكالمتنا الأولى القصيرة جدًا | إعتصام رابعة العدوية | الرسالة الثالثة

المرسل: أنا                                                                المرسل إليه: هي
العنوان: كوكب الأرض المهترىء.                                        العنوان: اللا مكان.



الرسالة الثالثة 


وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

هل ستتذكرين مكالمتنا الأولى؟ على الأقل أنا سأتذكرها رغم انها لم تستغرق اكثر من ثلاثين ثانية ولكنها كانت كافية لى وانت تُصيحين بأنك لا تسمعينى جيداً، كان هذا بسبب تحليق طائرات الهيليكوبتر الحربية على أرتفاع منخفض فوق رأسي. أين كُنت؟ لم أكن فى عملية برية والطائرات تحلق على إرتفاع منخفض لتأمين عملية الإمرار البرى لقواتنا. بل كان حظي الأسود أن أكون من يصف الأحداث فى مُحيط قصر الإتحادية واصفاً مظاهر الفرح الشعبي العامر بزوال جماعة الإخوان المسلمين من سده الحكم ووصف الجماهير العريضة التى اتت من كل صوب وحدب لكي يُعطوا التفويض والأمر إلى وزير الدفاع -الفريق اول عبد الفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء- بالقضاء على الإرهاب.

اليوم أنهيت عملي وتوجهت إلى إعتصام رابعة العدوية، أصبح طقساً يومياً منذ عزل الرئيس السابق مُرسي.. أتذكر حرصي البالغ على عدم الراحة يوم الخميس الذي تلى بيان العزل وحرصي على التواجد بصفتى الرسمية كمراسل ممثل للقناة التى اعمل بها. كُنت منتشياً كوني الوحيد الذى أصر على ان يتواجد بنفسه هناك على الرغم من تلك الإشاعات بأن كل الإعلاميين يتعرضون للضرب والسحل. كُنت مؤمناً إيماناً بالغاً بأن من حق هؤلاء البشر قل عددهم او كثر أن تُنقل أرائهم كاملة. هل نقلت صورتهم؟! بالطبع لا وربما قد يكون هذا سبباً فى بحثي عن سبل إقامة مصنع لإنتاج البلاستيك!

اليوم وأنا اقف مع بعض أصدقائي ظن بعضهم أننى أنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين تحديداً إلى تلك الشعبة المكلفة بالتأمين فى تلك اللحظة! وفجأة وجدت نفسي مُكلف بالتأمين فى الصفوف الأمامية فجأة وجدت نفسى أمام شرح للخطة التى ستنفذ فى حالة مهاجمة البلطجية او الداخلية او الجيش. وبعد شرح الخطة تسلمت معدات التأمين ولم ينسى ان يُعطيني الولاعة التى سأُشعل بها الشعلة التى ستُنذرهم بالهجوم وأشار على زجاجة البنزين المختبئة بين الشجيرات.

كان السؤال الاهم ماذا بعد أن انفذ خطة الإنذار، اخبرنى وهو يبتسم "أطلع أجري" وظللت طوال فترة الساعتين التى تخللتهم ساعة الإفطار أفكر جدياً هل سأجري لأنفذ الخطة وانا ارى هجوماً سأكون انا اول الضحايا فيه؟ أم سأهرب وأفر بعيداً؟

فى كل مرة أرى فيها المسيرات التى تخرج من إعتصام رابعة او أى مدينة محلية أجد نفسي تلقائياً اتجه إلى العنصر النسائي فيها. بنات قويات يهتفن بروح وهمه عالية، يؤمنون بقضيتهم ويدافعون عنها ولا يخشون في الحق لومة لائم، بينما مازال بعضنا يمايع فى مواقفه ويدفن إنسانيته فى روث البهائم. كُنت حينما اراهم أستحضر صورتك وانت تهتفين بسقوط دولة الإحتلال معترضة على كل شىء أحمق قامت تلك الدولة المغتصبة بمحوه من الهوية الاصلية لتلك الأرض، الهوية الفلسطينية.

فقط أردت ان أسألك بعد كل هذا امازلت تعتقدين أن قضيتكم هى الأعقد؟ لا، ربما قضيتنا هي الأعقد.. لقد أزلنا نظاماً وأغلب من أزال ذلك النظام أستدعاه من سباته العميق وبنفس راضية. أى حماقة تلك التى يرتكبها شعب فى حق نفسه؟ كيف سيُكتب تاريخُنا الأحمق؟ لا أفهم كيف تعتمدون علينا وتعقدون امالاً عريضة بان الخلاص سيأتى من الدول العربية وعلى رأسهم مصر؟ هل تريدين تأكيدات اكثر من ذلك بكون شعبنا أحمق؟

إحتلالكم خلق أجيالاً لم تفهم معنى الوطن، وإحتلالنا الفكري خلق لنا أجيالاً تُجيد ببراعة فشخ الوطن. فبالله عليكِ من الأجدر بالشفقة؟!

لا أعلم هل مازلت رغبتك فى أن تُحلقي معي إلى كوكب زحل قائمة أم لا؟ لا يهم، هي أيام وسأنتهي من بناء مركبتنا الفضائية وحينها سأمر عليك لأصطحبك.


إلى أن يقول لك الليل:

لم يبق غيركما فى الوجود
فخذها، برفق إلى موتك المشتهى


وانتظرها!*



*تلك الأبيات من قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش "وانتظرها".


2013-07-25

رأيت رام الله فى عينيكِ! | الرسالة الثانية

المرسل: أنا                                                                المرسل إليه: هي
العنوان
: كوكب الأرض المهترىء.                                        
العنوان: اللا مكان.



الرسالة الثانية

لو كان عندي جيتار، لحويتك فوق الأوتار.

أكتُبُ إليكِ على عجلٍ، فحالُنا أصبحَ قاسِياً مُرعب.. لا اعلم هل نُدافعُ حقاً عن قضية؟ هل نمتلِكُ قضيةً أصلاً لندافِعَ عنها؟! فنحنُ أمامَ كارثةٍ حقيقيةٍ لا مفرَ منها، إما فاشيةً عسكرية او فاشية دينية! أنتهى الأمر، جاحد من يُنكر أن ما حدث إنقلاباً عسكرياً وجاحد من يُنكر أيضاً خطأ جماعة الإخوان التاريخي وسذاجتهم فى مواجهه الكثير من امور السياسة.

شعبٌ أهبلٌ أرتضى وبنفسٍ مريضةٍ أن يقبلَ ان يكونَ ذلكَ الإنقلاب -على قلبه زى العسل- بسببِ بُغضٍ رسخَهُ إعلامٌ عاهرٌ ضدَ جماعةِ الإخوانِ المسلمين. شعبٌ لا يرى فى ترشُحِ وزيرِ الدفاعِ الفريق اول عبد الفتاح السيسي أى غضَاضة -عشان البلد دى محتاجة راجل، تحديداً عسكري عشان يحكم قبضته عليها- وكأنَ ثورةً لم تقمْ!

أكتبُ إليكِ حتى أُخبركِ اننا لدينا قضيةً مُعقدةً كتلكَ التى تملكينها، الفرق بيننا اننا نمتلك وطن نتصارع عليه اما انتِ فتعيشين فى اللا مكان.. فكلُ فلسطيني اليومَ يجدُ نفسه أمامَ موقفٍ شديدِ الغرابةِ، فهو يُدرك أن فلسطين كانت موجودة ذات يوم لكنه يراها وقد اتخذت اسماً جديداً وشعباً جديداً وهوية جديدة تُنكر فلسطين جملةً وتفصيلاً*.

إحتلالكم خَلق أجيالاً عليها أن تُحِبَ حبيباً مجهولاً، نائياً، عسيراً، مُحاطين بالحراس وبالأسوار والرؤوس النووية وبالرعب الأملس*. وإحتلالنا الفكري الأقسى خلق لنا أجيالاً لم تعد قادرة على أن تتلمس طريق الحق والصواب محاطين بنفس الرعب الاملسِ.


* العبارات المشار إليها مقتبسة بتصرف من كتاب "رأيت رام الله" للكاتب الفلسطيني مُريد برغوثي