2015-05-15

عزيزتي الحلوة، ياسمين | في ذكرى النكبة الـ 67

ملحوظة: نُشرت تلك المقالة في العدد الأول من جريدة إنسايدر طنطا بتاريخ ديسمبر 2014


في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ
ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَة


 لا أتذكر ما هى أخر مقالة لي شاهدتها على الورق، أعتقد منذ سبعة أشهر أو أكثر، فالجميع الآن ينشر كتاباته عبر العديد من المواقع الإلكترونية التى أنفجرت مع أنفجار المصريين فى 25 يناير 2011، إلا أننى مازلت كغيري من المؤمنين بالكلمات المطبوعة، ملمس الورق بين يديك، رائحة حبر الطباعة بين أنفك وأنت تتصفح الورق، كل ذلك له طابع خاص مُحبب إلى النفس.

إن كُنت من هؤلاء المُنظمين الذين يقرأون صفحات الجرائد بتتابع ترقيمها ولا تتصفحها بشكل عشوائي، ستصطدم فى الصفحة الثانية بصورتى وأنا مُبتسم والأصدقاء فى أنسايدر طنطا ينوهون أعلى الصورة بشكر خاص، الحقيقة أننى أكره الشكر الخاص دوماً فلا داع له، عادة نحن فى مصر نميل إلى سماع كلمات التقدير دوماً والشكر على ما نعتاد أن نفعله رغما عن أن عبارات الشكر من المفترض ان تُقال على ما ليس مُعتاد.

خلافًا أن عبارات الشكر والتقدير الخاصة، عادة ما تُصنف تحت بند الجمايل التى لا بد منها فى بداية كُل شىء، فهل سيتذكر أصدقائنا فى العدد الثاني هؤلاء الذين دعموهم فى البداية ليضعوا صورهم مرة أخرى مع عبارات الشكر؟ بالتأكيد لا، وحينها سيُصبح الأمر موجعاً أكثر لأننا سنتعامل مع الأمر بوصفنا أصبحنا كمًا مُهملًا لا فائدة منه.

ياسمين التى لا تعرفونها تعيش فى القدس وتدرس علم النفس واللغة الفرنسية. ياسمين تحمل الجنسية الإسرائيلية بهوى وعشق فلسطيني خالص كغيرها من أبناء جيلها من عرب 48 الذين وُلدوا ليشهدوا انتكاسة أجيال سابقة ووضع قائم بتجنيسهم بجنسية أبغض شيء لهم فى الوجود.

شاركتنى ياسيمن ذات يوم رغبتها فى السفر إلى روسيا وولعها بمباريات كأس العالم، فعقدنا إتفاق فى ليلة صيفية حارة كان القمر فيها بدراً بسماء صافية خالية من النجوم لشدة وهج القمر فيها، نص إتفاقنا على أن تسمح لى ياسمين بأن أبتاع لها تذاكر المبارة الإفتتاحية فى كأس العالم التى ستُعقد فى روسيا عام 2018 وبالتأكيد الكثير من المشروبات الساخنة التى سنصطحبها معنا أثناء مشاهدة المبارة.

مؤخرًا أصبحت أخبر ياسمين أن أتفاقنا سار مالم تقم حرب نووية ما بين روسيا وباقى الدول، أو أن يُقرر الرئيس الأمريكي القادم الذى بالتأكيد سيكون من الحزب الجمهوري الذي سيطر مؤخرا على مجلسي الشيوخ والنواب، أن يُشعل حرباً نووية فى منطقة الشرق الأوسط بدافع مقاومة داعش مثلا، حينها لن أستطيع أنا وهي أن ننعم بزيارة روسيا لمشاهدة المبارة الإفتتاحية فى كأس العالم القادمة.

في كل مرة يُصيبني اليأس أتوجه إلى ياسمين بالكلام، أخبرها دومًا باليأس الذي أصاب جيلنا وحالة التبلد التى أصبحت عنوان كلامنا دومًا ورغبتى بالسفر إلى الخارج، أخر مرة أخبرتنى ياسمين ردا على يأسي بأن الوضع عندهم مؤسف فهل ترحل؟ ثم أكملت الإجابة بأن الحل يكمن دوما فى المقاومة، ثم طلبت منى ألا أترك الوطن. حينها أدركت أنها تتمسك بحقها فى المقاومة من أجل وطن حُر هي تعرف على الأقل العدو فيه. دومًا أذكر ياسمين بأن حالهم أفضل من حالنا لأن عدوهم واحد واضح.

تقاوم ياسمين يأسها دومًا، حتى فى لحظات يأسها تُعطيني درسا فى محاولة التغيير، تعمل من خلال الأحزاب العربية في الداخل لمعارضة السياسات القمعية، تخرج فى المظاهرات لتندد بالعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، تمارس عملها التطوعي بإقتدار وتقرأ كثيرا لتفهم. لن أتعجب لو قرأت أسمها مُستقبلا بوصفها ناشطة حقوقية تُنادي بحق فلسطين التاريخي فى أرضها رافضة للتواجد الإسرائيلي لا تقبل حتى بحل الدولتين الذي يعني تنازل فلسطين عن حقها فى الوطن كاملا، الوطن التى تُدرك هى لوعة فقدانه أكثر منا. الوطن الذي نبحث نحن عنه فى كل فتاة نُقابلها بحثا عن الزواج والإستقرار علها تعوض غيابه عندنا، الوطن الذى أصبح معناه بالنسبة لنا الأمان والإحتواء أكثر من كونه تراب نسير عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق