2015-08-20

أكاشا أكاشا.. المزيد من الحقيقة قد يُهلكنا | قصة قصيرة غير مُكتملة

إهداء: إلى صديقتي، التى ترحل روحها في سكون بينما نحن مازلنا نقف على أعتاب الحياة. إلى صديقتي التي علمت بأنها ترحل عنّ بينما كُنت أتناول الغداء من أحد مطاعم الوجبات السريعة التي ستجعلنى ألحق بها قريبًا - فترقرقت الدموع في عيني وأكملت طعامي وأنا أترحم على حالي الذي أصبح بائس لدرجة أنني أتعامل مع الأمر بشكل طبيعي. إلي صديقتي الذي يُخبرني جميع أصدقائي الأطباء وأنا أصف لهم حالتها بأنني جاف المشاعر بشكل مُرعب. إلي صديقتي التي لن أراها بعد اليوم أهديكي تلك القصة القصيرة غير المُكتملة المنسية في غياهب جهازي، منذ عامين! 


أراد أن يقتربَ من الحقيقةِ قَدرَ الإمكانِ، كان هذا مَرَاده طيله السنواتِ العشرين الماضية، لطالما أطال التأمُل وأخذ يتعبد إلى الله كما كان يفعل النبي سُليمان عليه السلام حينما طلب من الله مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده ولم يملكه أحد من قبله وقد كان أن مُنح الملك سليمان مُلكا عظيمًا وتسخير الأرض والريح تأتمر بأمره وإدراك لغة الطيور.
كان يُطيل التعبد ويدعوا إلى الله أن يهبه موهبة قراءة العقول والأفكار، لطالما أطال النظر إلى تلك الفتاة وهو فى الصف الثالث الإعدادي مُتخيلًا قُدرته على الولوج إلى عقلها والتجول فى أعماقه والبحث عن نفسه داخل ذلك العقل.

أسألته العديدة الساذجة فى تلك اللحظات، هل تلاحظني؟ هل هي معجبة بي؟ هل هُناك شاب أخر؟ هل تُحب القراءة والشخص المُثقف أم هي تميل للوسيم الذي يقضى ساعات فى الجيم لكي يُربي الباي والتراي؟ هل حقًا تلك الإبتسامة التى لمحها على شفتيها حينما نظر إليها كانت له أم أنها كانت من نسيج خياله المريض؟ هل حقًا سيتزوجها؟ هل حقًا سيعيشان قصة حب خيالية تُكلل بالزواج وقضاء شهر العسل في جُزر البورا بورا؟

--------
(1)
أكاشا أكاشا.. الحقيقة شمس تحرق من يحاول الإقتراب منها.

"مثل إيكاروس"، خطف العنوان نظره وهو يهم بدخول مكتبة الشروق فى وسط البلد، "مثل إيكاروس"، من هو إيكاروس ذلك؟ لم يصطدم طيلة حياته بعنوان بتلك الغرابة، ما الذي دفع المؤلف إلى أن يختار اسم شخص غير مألوف ليضعه فى مقدمة غلاف روايته الجديدة؟ "أحمد خالد توفيق"، لمح أسم المؤلف سريعًا فأقتنى الرواية. يميل هو دومًا إلى إقتناء أعمال ذلك المؤلف فهو يثبت له يومًا بعد أخر أنه لا يجب أن تشرب الحشيش لتُبدع، فالمؤلف يُبدع دون أن يشرب الحشيش، ثم أنه يعلم أن المؤلف في كل سلاسلة  الروائية وكل روايته الطويلة يميل دومًأ أن يمزج تجربته الشخصية مع ما يؤلفه. فلا بأس إذًا بفصلٍ جديدٍ ممزوجٍ بالخيال الواقعي.

 (2)
أكاشا أكاشا.. لا شيء حقيقي في ذلك العالم سوانا.

"تبًا" التعبير الوحيد الذي صاحبه وهو يقرأ أخر سطر فى رواية "مثل إيكاروس"، لقد قدم له المؤلف على طبق من فضة الحل.. أكاشا أكاشا، هي كلمة السر إذًا لفتح الأبواب المُغلقة. أكاشا أكاشا، هي الكلمة السحرية لدخول السجلات، كل شيء محفوظ إذا فى السجلات، الماضي السحيق والمستقبل البعيد. الأمر كله إذا يتلخص فى كلمة السر أكاشا أكاشا.. لا بأس سيبحث على الإنترنت إذا عن الأمر بشكل جيد ليدخل تلك السجلات الأكاشية ليطلع، لعله يُدرك فيفهم.

(3)
أكاشا أكاشا.. نحن نبحث عن شيء ما، شىء مُثير، شيء قوي، شيء حقيقي.

أغلقَ النوافذ، أوصدَ بابَ غرفته جيدًا، وضع أقمشة سوداء على تلك المساحات الضيقة بين النوافذ وأسفل الأبواب ليضمن عدم تسلل شعاع شمس صغير، أراد للغرفة أن تكون حالكة السواد فلا يري فيها كف يديه حينما ينظر إليه، أغمض عينيه ووضع سدادات الأذن، أراد أن ينفصل عن أى عبث يمارس حوله فى تلك الأرض الفانية، هو سيدخل إلى السجلات بعد قليل، بعد قليل سيدرك الحقيقية.. بعد لحظات سيفهم.

(4)
أكاشا أكاشا.. للحقيقية ثمن، وللمعرفة ثمن.

كانت مختلفة، كان كغيره من الكثيرين قد وقع فى غرام حديثها، نشاطها، فكرها. لم يُدرك متي ولا كيف أصبح يُعرف بينه وبين نفسه ذلك الإعجاب بكونه حُبًا.
لم يكن الأمر صعبًا عليه ليتودد إليها، كان كغيره يحاولون الإقتراب وكان يعلم أنه وعند نقطة مُعينة لن يتمكن من التراجع وسيحارب من أجلها حتى النهاية حتى لو أدى ذلك أن يخسر علاقات صداقة طويلة في سبيل الوصول إليها.
الحرب لم تكن سهلة، كان يناور هذا وذاك، كان يعلم بأنها فُرصة لن تتكرر مرة أخرى لذلك عليه أن يُحارب ليحصد تلك الفرصة كغيره ممن يُحاربون فى تلك اللحظات، ولن يمنعه عنها أي شيء، هُما مُتقاربان فى الفكر، هما متقاربان لبعضهما فى الروح، هُما الأثنين يُدركان أنهما يُشبهان بعضهما البعض فى الكثير من التصرفات، هو لا يُريدها أختًا له وهي بالتأكيد لن تُريده بمثابه أخ لها أو تؤم روح تلجأ إليه وقت الحاجة، هو يُريد أكثر من ذلك ومن أجل ذلك سيُحارب حتي لو خسر العالم في سبيلها.
كان ومازال يؤمن بأنه لا فائدة من التودد إلى أى فتاة جميلة يُقابلها فى حياته لأن هُناك مُغفل بالتأكيد فى مكان ما أنتهز الفرصة وأخبرها كم هي جميلة وكم أن قلبه لوجودها
يسعد ولها يطرب.. فلا جدوى إذا من المحاربة فى معركة خاسرة. لكن تلك هي معركته هو الذي سيفوز بها.
لم يمضى الكثير حتى بدأت هي الأخري تشعر بذلك التودد، أولته إهتمامًا مُبالغًا فيه، كان سعيد وهو يري نفسه المُنتصر الأخير الذي يُخطط معها كيف ستخبر هذا وذاك برفضها لهما.. كان على قمة الهرم يستشعر النشوة.

(5)
أكاشا أكاشا.. للمعرفة ثمن، وكذلك للحب ثمن.

سيبدأ تلاوة التعاويذ إذا الأن التى ستُمكنه من الولوج إلى السجلات الأكاشية، لن يتراجع الأن، عليه أن يفهم لماذا لم تختاره هو؟ عليه أن يفهم لماذا أنكرت بعد ذلك كل شيء؟ لماذا كذبت بعد كل ذلك؟ لماذا لم يصدقه الأخرون؟ سيحاول أن يتجول إذا فى السجلات الأكاشية ليفهم لماذا.

(5)
أكاشا أكاشا.. لاشيء حقيقي.

لم يكن يحتاج لأكثر من أنها تسأله يوميًا عن موعد عودته من العمل لتطلب له الأكل على عنوان منزله أثناء طريق عودته، ليُدرك أن الامر أصبح أكثر من مجرد شخص قريب يحاول التودد إليها وهي تعلم بذلك.

(6)
أكاشا أكاشا.. ما نراه فى الأحلام حقيقة علينا أن نعيها.

هو يشعر الأن بأن روحه تنسحب منه رويدًا رويدًا، لا يريد أن يموت الأن وهو على بعد خطوات قليلة من الإدراك والفهم. سيبحث فى السجلات الأكاشية إذا عن الحلم التى قالت أنها رأته فيه، ألم تُخبره أنها رأت فى حلمها أنهما فى حفلة كبيرة، ترى فيها هى وجوه كثيرة لا تعرفها ولمحته من بعيد لتشعر بالأمان إلا أن جُدران المنزل كانت متشققة ذات لون أصفر باهت. يومها فسرها هو بأن عليه أن يكون أكثر أنضباطا فى حياته ليفوز بها، هو لم يفوز بها الأن لذلك لا بأس وهو يحاول أن يفهم أن يمر فى السجلات الأكاشية على ذلك الحلم ليفهم ما المغزى منه.

(7)
أكاشا أكاشا.. لمحاولة الإقتراب من الحقيقة ثمن.

لم يكن يتخيل أن ما سيراه سينطبق تمامًا مع لفظ السجلات، فهو يرى نفسه حرفياً يقف وسط أرفف عديدة لسجلات مُجلدة عليه أن يبحث وسطها عن ما يُريد وسط هذا الكم المُرعب من الحقائق التى ربما قد يعى بعضها والبعض قد يكون مُزعج بالنسبة إليه، الفضول يقتله ليفهم كل شيء إلا أنه هُنا أولًا من أجل مُهمة محدودة ويجب عليه أن يُنهيها.
وسط بحثه وسط السجلات أن يرى من منظورها كيف كانت الأمور تُدار فى رأسها، هكذا أخذ يبحث ويتجول هنا وهناك لكي يفهم كيف كانت الأمور تُدار داخل عقلها.

(8)
أكاشا أكاشا.. الحقيقية نسبية لا يمكن أن نفهم كينونتها.

أكاذيب مُنتشرة فى كل مكان، رفوف كثيرة داخل عقلها وضعت عليها أشخاص عديدة، كُتب تنمية بشرية مُلقاه هُنا وهناك، أختبارات نفسية عديدة، لماذا؟ تبًا هي تُخضع إذا الشخص المُراد أختباره إلى كل ذلك. تبًا هي تُمارس حقها فى الإنتخاب، إنتخاب الذكر القوي الذي يصلح لها، تبًا كان يظن أن الأمر مقتصر على الذكور فقط، كان يظن أنهم فقط الفصيل المُنحط الذي يُقارن الأناث كلهن بعضهن ببعض ليختار فى النهاية من تليق به.. لم يكن يُدرك أنها من ضمن تلك الفئة المُنحطة التى أخذت تُقارن الأخرين بعضهم ببعض، تمنحهم جميعًا ذلك الإختبار النفسي الأولي بتفاصيل حلمها المُزيف التى تقصه على كل واحد منهم. الحلم الذي يقف فيه الشخص المُختار وسط تلك الحفلة التى لا تعرف فيها أحدًا بينما جدران ذلك المنزل مُصابة ببعض الشقوق والميل إلى اللون الأصفر الباهت.

(9)
أكاشا أكاشا.. المزيد من الحقيقة قد يُهلكنا.