2016-04-03

كدبة كل يوم



هكذا وجدت نفسي أمام "بسمة"، لم أعرف هل توجب علي أن أذهب نحوها لأخبرها بالتفاصيل التى حدثت في العامين السابقين لتكتمل عندها الصورة أم توجب علي أنا أن أهرول ناحيتها لأسألها عن السبب الذي من أجله تركت صديقتها كل تلك الأمور بعد أن كانت تحكي حكايتنا لها في شغف. أيعقل أن ينتهي شغف الأخرين بالأشياء هكذا فجأة؟

كدبة كل يوم؟ كدبة كل يوم التى لم ولن أفهمها قط، الفتاة تُخطب في المرة الأولى، فتنهال القلوب والتعليقات من صديقاتها، تنفصل الفتاة، فتنهال التعازي والأدعية والآيات التى تًطالبها بالصبر وكأنها (ولية) من أولياء الله الصالحين ويجب أن تصبر على ما تبتلى به حتى تفوز بنعيم الجنة!، فيمضي شهر وتعود نفس الفتيات لتنهال على صديقتهن بنفس القلوب ونفس العبارات التى قيلت من قبل. هل نُصنف هذا نفاق إجتماعي؟ لن أكون مُتحضرًا وأخبرك في وقار بأن للأمر أبعاد وأنهن يُشاركن صديقتهن فرحتها. أي فرحة تلك؟

سأحكي لكم اليوم في عبارات قصيرة -أو هكذا أود- موقفين:

الموقف الأول:
كان لي صديق يُدعى الشارنوبي، أنتهى من دراستة لمده ست سنوات في كلية الطب، ثم أتبعها بسنة الإمتياز، ومن ثم تكليف وزارة الصحقة، ثم ذهب ليدرس البرمجة في تركيا.
أنت لم تُخطىء في قراءة كلمة (البرمجة)، نعم لقد ترك كل شيء وراءه ليرحل في هدوء دون ضجيج لكي يفعل ما يُحب. لماذا نذكر هذا الموقف، لكي أخبرك فقط أن جبانًا، هل تُدرك كم مرة فكرت في أن تغير مجالك، أو كُنت ناقمًا وساخطًا على ما تتعلم مُرددًا الكثير من عبارات: "أنا مش لاقي نفسي"، "أنا مش حاسس نفسي في اللى بعمله"، "أنا مش عارفني، أنا تُهت مني، انا مش أنا".

الموقف الثاني:
كان يوم الخميس، وكان عقربي الساعة ينطبقان على رقم 6، مُعلنًا تحرك القطار من القاهرة، ولما كان الخميس يوم الحشر الدُنيوي، وقفنا بين عربات القطار أملًا في هواء بارد يخرج إلينا من داخل العربات المكيفة، (بين عربات القطار)، ذلك العالم الموازي الذي تنشأ فيه الصدقات من لاشيء سوى تبادل أعواد الثقاب لإشعال سجائر كيلوباترا محلية وسيئة الصُنع، كان ذلك المُخبر يقف بيننا  بشاربيه المميزين والبالطو المميز لمُخبري الداخلية يُدخن سجائر الكيلوباترا، مُرغمًا مفتش القطار على أن يتجاوزه لأنه (مباحث).
(المقاصات)، لم يركب القطار لمده طويلة يعي جيدًا أن (المقاصات) ببتاخد على الهادي، لحظة أنت لا تعرف ما هي المقاصات إذًا؟ المقاصات هي تلك النقطة التى تتقاطع فيها خطوط سكك الحديد مما يسمح بتعديل أتجاهات القطار لينتقل من سكة إلى سكة. لا بأس ربما رسمت للأمر شيئًا في مُخيلتك الآن.
الآن كل ما عليك أن تفعله، أن تتخيل نفسك في منطقة (بين عربات القطار)، شعرت بالحر، أقتربت محطة طنطا، لا بأس بفتح باب ذلك العالم الموازي لأستنشاق الهواء، نحن لم نعبر المقاصات بعد وماذا في ذلك، سُيهدأ ضجيج القطار قبل المقاصات، الجميع يُدخن سجائره الكيلوباترا سيئة الصنع، الخلافات السياسية ليست واضحة بسبب وجود حامي حمى الأوطان، مخبر المباحث بشاربيه، ثم؟ نعم بالتأكيد كما خمنت، سقط أحدهم لأن القطار لم يقلل من سرعته عند المقاصات،  وهكذا بالنظر إلى قوانين الفيزياء التى لا نتذكرها هي وقوانين الديناميكا، سنكتشف أن هُناك شخص سقط مُكتسبًا سرعة القطار، وسيرتطم بجسم ساكن (الأرض) بما فيه من بروز لخط السكة الحديد الموازي. أي أن نسبة نجاته بالنسبة لسرعة القطار لن تتجاوز واحد من ألف، هكذا سقط صديقنا الذي لم نكن نعرف أسمه وهو يحتضن كيسه البلاستيكي الأسود.
يُشهد لمُخبرنا الهُمام، سرعة البديهة والتحرك، فقد أغلق الباب سريعًا ونظر إلي وإلى من بجواري ممن كانوا بالقرب من الباب، وهدأ من روعنا قائلًا: "واحد، أتنين، تلاته، الحمد لله محدش وقع، محدش كان موجود غيرنا!".
هكذا بكل بساطة ألغى وجود شخص كان يتبادل معه الحديث وأعواد الثقاب منذ قليل، ألغى شخص من الوجود له أسرة وأولاد، له أصدقاء، له معارف، وأعداء.

قوة إلغاء ذلك الشخص وبديهيه كلام حامي حمى الوطن الهُمام صديقنا مُخبر المباحث، جعل كل من في عالمنا الموازي (بين عربات القطار) يسكت في خشوع، مُترقبًا خائفًا من ذلك الشخص القادر على إلغاء أحدهم من الوجود.