2017-07-10

لحظات الخوف | الحاجات


لو كُنت من المحظوظين الذين قرأوا ما نُشر منذ يومين تحت عنوان "كيف تظفر بفتاة؟" ثم أطلقت السباب واللعنات مثلك مثل الكثيرين الذين لم يُدركوا أن المقال تهكمي ساخر. لا بأس، أكتب لك اليوم شيئًا عميقًا عن لحظات الخوف.



اللحظة الأولى: يناير 2011

كانت لحظة الخوف الأولى، ليل يوم 28 يناير 2011، كُنا نفر من شارع إلى الآخر هربًا من الغاز المُسيل للدموع الذي كان يُطلق علينا بغزارة، كُنا نُعيد تنظيم الصفوف من وقت لآخر، يومها سقطت صديقتي خلفي وقد كانت هي أخر الهاربين، يومها أصابني الخوف بأن أكون في موقفها التي تُحسد عليه، ولم أكن أستطع في ذلك الوقت مع جسمي الهزيل أن أحملها، ولم يكن يظهر في الأفق أي مساعدة، هكذا ومن دافع ألا يحدث ذلك لي يومًا أخذت أسحبها من يديها وهي فاقدة للوعي تقريبًا حتى ظهر في الأفق شابين ساعداني على حملها، فتركتها لهم، لأحاول أن أخرج ما في صدري من غاز بعد أن كُنت أحاول سحبها. بعد ذلك حاولت أن أعود إلى المنزل، فشاهدت قطاع الطرق يفرضون الأتوات على السيارات المارة على الطرق السريعة والطرق الرئيسية، يومها مساء أعتراني الخوف مما فعلنا، شعرت لوهلة بأننا ربما أنجرفنا وجعلنا البلد تسقط في بحر من الظلمات.


اللحظة الثانية: فبراير 2011

كانت اللحظة الثانية، بعد خطاب الرئيس الأسبق مبارك، ليلة الأول من فبراير، وهو الخطاب الثاني منذ إندلاع ثورة 25 يناير، والذي وصف وقتها بالخطاب العاطفي، حيث تحولت المشاعر حينها من رغبة في زوال النظام ورأسه، إلى مشاعر شفقه ورحمه بالرجل الذي ضحى من أجل وطنه والذي لم يكن ينتوي الترشح لفترة رئاسية قادمة، أنهى مُبارك خطابه وقتها بعبارة: "إن الوطن باق والأشخاص زائلون.. ومصر العريقة هي الخالدة أبداً.. تنتقل رايتها وأمانتها بين سواعد أبنائها.. وعلينا أن نضمن تحقيق ذلك بعزة ورفعة وكرامة.. جيلاً بعد جيل."، وهو الأمر الذي أدى وقتها لإنقسامات عديدة في الشارع بين مؤيد لإستكمال الإعتصام في الميادين المختلفة وبين الرحيل لأن الرئيس سيرحل بكرامته في سبتمبر القادم. إلا أن موقعة الجمل الشهيرة أعادت توحيد الصف مرة أخرى. وزال معها لحظة الخوف تلك.


اللحظة الثالثة: يوليو 2013

يوم 26 يوليو، طُلب مني وقتها أن أكون المراسل الميداني الذي يُعطي تقريره على الهواء من منطقة الإتحادية، كان هو اليوم الذي دعى فيه الرئيس الحالي وقت أن كان وزيرًا للدفاع في حكومة الرئيس المؤقت عدلي منصور، جموع الشعب للنزول إلى الميادين لتفويضه لمكافحة الإرهاب وإن بدى للجميع أنه يُريد التفويض لفض إعتصامي رابعة العدوية، والنهضة التي أقامتهما جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية –بحكم قضائي-، يومها تلقيت مكالمة هاتفية تُطالبني بألا أتحدث بأي شىء يُعيب الجيش، أو يُعيب المواطنين المُلبين لذلك النداء، أن أتغاضى عن حالات التحرش الجماعي، أن أتغاضى عن أي سلبيات، قيل لي يومها: "نحن مع السيسي، نحن مع الجيش!"، كانت لحظة فارقة، أنتابني فيها الخوف أن أفقد نفسي وضميري إن تغاضيت عن أي سلبيات شاهدتها ذلك اليوم، أو أن أكون من قطيع الـ****** الذين سيهللون وينافقون. كانت لحظة الخوف حاسمة وقاطعة، كانت اللحظة الذي ستختار فيها الطريق الذي ستسير عليه لفترة طويلة، أنتهت تلك اللحظة وأنا أخبر المُتحدث: "نحن لسنا مع أحد، ما سيحدث سيُنقل لا زيف فيه".


اللحظة الرابعة: أغسطس 2015

هاتفني مكتب القاهرة الخاص بقناة BBC داعيًا إياي للظهور كصحفي ومراسل شارك في التغطية الصحفية لفض رابعة العدوية في ذكرى الفض الأولى، يومها شعرت بالخوف، الخوف من ألا أوفق في سرد الحقائق، وأزداد خوفي أكثر، بعد مقدمة رئيس مكتب القاهرة الصحفي أكرم شعبان وهو يبدأ الحوار بجملة: "هذه شهادة ربما للتاريخ".
ما أتذكره جيدًا أن خوفي بدأ يخف تدريجيًا، بعد أن سألني في وسط الحوار، هل بكيت ذلك اليوم؟ فأجبته بصدق وحراره: "نعم، أى صحفي، أى كان إتجاهه، أى كانت توجهاته السياسية، فهو منعدم الإحساس والضمير، إن لم يبك في ذلك اليوم". لمشاهدة اللقاء هُنا.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق