2017-08-11

لماذا لا ننسحب؟ | أدب الإعتراف


ماشية العروسة، في جنينة. الورد قالها يا زينة، لون الخدود غالي علينا. يا عاشق الورد وحسنه، الورد مايل على غصنه. ما تهنى قلبك بمحاسنه، أنا ورد نادية وتشبكها، فوق صدرك يوم ما تملكها. دلوقتى حامي عليك شوكها، حبيبي.


(1)

لا أتذكر يومي الأول في الصف الأول الإبتدائي جيدًا، فقط أتذكر أننى كُنت متحمسًا للغاية للذهاب إلى ذلك المبني الضخم، الذي أخبروني أنه يحمل اسم (مدرسة الجيل المسلم للبنين)، جميعنا نشبه بعض، كانت المدرسة ضخمة للغاية، فيها كافة الصفوف، وكم هائل من البشر لم أستوعبه، فقط كل ما أدركته حينها أننى من قصار القامة في المدرسة، وسط هذا الحشد الهائل.

لم أكن غاضبًا لأن أمي وأبي سيتركاني مع هذا الحشد الهائل، كل ما أعرفه، أنني سأستقل أتوبيس المدرسة في طريق العودة والذي يحمل رقم (83)، بألوانه الزاهية، هكذا بدأت أولى خطواتي مع أتوبيس المدرسة الذي ظل يرافقني إلى نهاية المرحلة الإعدادية، قبل أن أقرر أنا وبعض الزملاء أننا أصبحنا كبارًا بما يكفي لنتقابل ونذهب إلى المدرسة سويًا.

(2)

كانت حصة الألعاب والأناشيد من الحصص المفضلة، لا داعى للمزيد من الواجبات أو المذاكرة، فقط نلعب الكرة، وننشد بعض الأناشيد، وقد كانت حصة الأناشيد هي المقابل الإسلامي لحصة الموسيقى في مدارس الكفار، كما كُنا نعتقد.

مازلت أتذكر أول نشيد حفظته: "رددي يا جبال، رددي يا سهول، أننا بالفعال نقتدى بالرسول"، وقد كانت هذه أول هدية أحصل عليها فى حياتي من رائد الفصل، الأستاذ إبراهيم في صفي الأول الإبتدائي، شريط ألبوم الأناشيد، وبداخله أنشودتي المفضلة التى حفظتها.

لا أتذكر أخر مرة شاهدت فيها الأستاذ إبراهيم، ربما منذ أربع أو خمس سنوات، لا أعلم هل أصبح مُعتقلًا أم توفاه الله، لكنى مازلت أتذكر تلك اللحظة فى الصف الثاني الإبتدائي وقد كان مازال رائد الفصل، حينما سمح لنا فى نهاية الفصل الدراسي الأول بأستخدام القلم الجاف بدلًا من الرصاص، وقد كانت البداية لنتعلم أنه منذ تلك اللحظة، ما يُكتب لا يمكن أن يُمحى بسهولة، وحتى لو أستخدمنا (الكوركتور)، فإنه سيترك أثرًا بغيضًا، لذلك علينا أن نتعلم ألا نتسرع، وقد كانت هذه هي بداية القسوة! لماذا لم يمنعنا من استخدام القلم الجاف، ونظل نكتب طيلة عمرنا بالقلم الرصاص، حيث السبيل للتراجع عن الأخطاء؟ 


(3)

وقت عملي كمراسل في قطاع أخبار مجموعة MBC، وقت تغطية اقتحام كرداسة الشهير لتطهيره من بؤر جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية - بحكم القانون- مازلت أتذكر بوضوح اليوم الثاني الذي وصلت فيه متأخرًا، بينما أتأهب سريعًا للظهور على الهواء، لتبادر صديقتي المذيعة بكم هائل من الأسئلة التى تحتاج إلى إجابة، لأبدأ يومها (الفتي) بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لم أرغب بأن أفسد ظهوري على الهواء لأخبرها بأننى لا أعلم شيئًا لأننى وصلت متأخرًا منذ قليل، فبت أنفي القبض على هذا وذاك، وأتوقع ما حدث وهي مهارة يكتسبها أي مراسل بمرور الوقت، لأنتهى بعد سبع دقائق كاملة من سرد الأحداث وتطوراتها، لأحصل على إشادة هاتفية، من مدير قطاع الأخبار في مكتب دبي حيث يقع مقر القناة، يومها أدركت أن الله يسترني لسبب ما، ومنذ ذلك الحين وأن أستهلك رصيد الستر من عند الله، ويومها أيضًا أدركت أنها: "ماشية بالبركة!".

(4)

في سنوات عمري الأولى، وددت أن أكون مُحققًا سريًا، كالمحقق كونان، سرعان ما تبدل الحلم في المرحلة الإبتدائية ليصبح رجل مخابرات مصري، كأدهم صبري، في سلسلة رجل المستحيل، ليتحول الأمر تمامًا في المرحلة الإعدادية، مع إهتمامي بالفضاء والعالم الخارجي، لأطمح بأن أكون عالمًا فلكيًا، وربما قد ألتحق بالعمل في وكالة ناسا لأصبح رائد فضاء، لتنتهى كل تلك الأحلام في المرحلة الثانوية، حين قررت وبشكل قاطع أن أكون صحفيًا، إعلاميًا، مشهورًا، يشار إليه بالبنان، ويقاوم الفساد ويكشف الظلم، ليكون لسان الشارع، ناقلًا حاله، مُحاورًا كبار الشخصيات، كما يُحدث في برنامج Hard Talk المذاع على بي بي سي.

أقف الآن في تلك اللحظة، مُحتارًا بين أن أخبر الجميع أننى على وشك الإنسحاب من كل هذا العبث، الخزعبلي، وبين أن أخبر الجميع بأن هذا العالم الذي أعيشه لم يكن يومًا هو ذلك العالم الذي طالما رسمته في مُخيلتي الصغيرة منذ أن كُنت في الصف الأول الإبتدائي وحتى لحظة دخولي الجامعة، وبين الحل الأخير بأن كل ذلك عبارة عن عالم أفتراضي أو لعبه ما كما في مسلسل West World، مع خاصية محو الذاكرة حتي أستمتع بذلك العالم الإفتراضي، متأهبًا فى أي لحظة أن أسمع عبارة: " تم إنهاء المهمة، انسحاب!".