عن الخطط المؤجلة | أدب الإعتراف
لم يكن هذا هو المستقبل الذي نرسمه في مخيلاتنا الصغيرة، ولن يكن
(1)
لازلت أتذكر أخر مرة لعبت، فيها كرة القدم، منذ ثلاث سنوات تقريبًا، وكُنت حينها، قد استقلت من عملي قبلها ببضعه أيام، وطوال الثلاث السنوات الماضية كان الأصدقاء يفضلون اللعب في منتصف الأسبوع، وكان الأمر مُرهقًا أن أعود فقط إلى طنطا من أجل لعب كرة القدم في منتصف الأسبوع، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة منذ أيام قليلة، وهكذا، فضلت أحلم بذلك اليوم الذي ستطأ فيه قدمي ذلك الملعب، سأصول وأجول، محرزًا العديد من الأهداف، أخذت قبلها بأيام أضع الخطط، وكأنني واحد من أبرع مُدربي الدوري الإنجليزي، وكُنت أقابل سخرية الأصدقاء بعزيمة وأصرار شديدين بأنهم سيرون وحشًا في الملعب يصول ويجول، وهكذا، وبعد 30 ثانية أو ربما أقل، ومع أول تمريرة كرة لي، ها أنا أسرع الخطى لإستلامها، فتنهار قدمي ملتوية، لأصاب بعدها بتمزق في أحد الأربطة الخارجية للركبة، مع خوف من أن تؤثر تلك الإصابة مُستقبًلا على قيادة السيارات وأشياء من تلك القبيل، لم اكن مُنتبهًا لصديقي الطبيب الذي كان يقوم بالكشف علي بينما كُنت أسرح في كل تلك الأحلام المؤجلة الخاصة بأنك أكون ذات يوم رجل المستحيل!
(2)
مازلت أتذكر، ذلك الصبي، ذو الأحد عشر عامًا، وهو يقرر بينه وبين نفسه، أنه سيكون محاربًا عظيمًا، يجيد العديد من اللغات، ويُجيد الكثير من فنون القتال، كما يُجيد استخدام أنواع مُختلفة من الأسلحة، كُنت أظن أنني سأصبح أسطورة فذة، كُنت حينها قد صنفت نفسي من الأذكياء، سريعي البديهه، مع الكثير من التدريب سوف أصبح أسطورة، لكن لا بأس، الأمر وما فيه أنني تجاوزت السادسة والعشرين، بقليل، ولا أجيد التحدث بالإنجليزية بشكل مُتقن، ولا أستطيع صعود الدرج دون أن تتقطع أنفاسي، ناهيك بالطبع أنني لم أستطع أن أبقى في ملعب لكرة القدم سوى 30 ثانية أو أقل.
(3)
في السادسة عشر من عمري، كُنت متعلق بفتاة جميلة، ومنذ تلك اللحظة، ودت أن يكون حبي مُخلصًا، كتلك الأفلام التي نُشاهدها والروايات التي نقرأها، أخذت أرسم في خيالي تلك الأحلام الجميلة، بينما هي تقف بجواري، لا أتذكر منذ تلك اللحظة، وعلى عشر سنوات تقريبًا، كم فتاة أحببت بصدق، كم فتاة رسمت في مخيلتي معها نفس الأحلام الوردية، كم فتاة تركتها ورحلت فجأة، وكم فتاة تركتني وحيدًا ورحلت دون أي سبب، لا أتذكر بصدق، الكثير من الأسماء، أبكي في مساء كل ليلة، لأن القصص لم تكتمل، فأصبحت مشوشًا عاجزًا غير مؤمنًا بذلك الحب الطاهر البرىء، الذي قد ينقذ أرواحنا من تلك الوحشة، بعد عشر سنوات، أصبحت تلك واحدة من الخطط الكثيرة المؤجلة، غير القابلة للتحقيق.
(4)
لم نعد كما كُنا في السابق، لم نعد هؤلاء الحالمين، ذو الخطط المستقبلية الواعدة، لم نعد صغارًا في السن تُقبل أخطائنا الساذجة التجريبية، أصبحنا من هؤلاء الكبار البغيضين، أصبح لكل منا دستة من الأحلام المؤجلة، ودستة أخرى من الأحلام المؤجلة، غير القابلة للتحقيق، وأصبح لكل منا دستة أخرى من الأشخاص غير المرغوب فيهم الذي وددنا لو واتننا الفرصة لنقتلهم ونتخلص منهم للأبد.

تعليقات
إرسال تعليق